كلمات من قاموس الأجداد : بحوث في العامية التاريخية في مصر (1)
بقلم : معتز شكري
تقديم :
هذه بحوث فيما يسمى علميا في الدراسات اللغوية المتخصصة ب"العامية التاريخية" Historical Slang ، أنشرها في مدونتي هذه حتى تسهم هي وغيرها في رفع درجة الوعي والارتقاء بثقافة زوار المدونة من مصريين وعرب في جميع مجالات الثقافة والعلوم ، ومنها الدراسات اللغوية.
وفي هذه البحوث نقوم بالتطبيق على اللهجة العامية المصرية المعاصرة ، ورصد ما بقي فيها من آثار نادرة لألفاظ وتعبيرات اندثرت أو كادت من الاستعمال اللغوي المعاصر ، ونلقي الضوء على نماذج من هذه الكلمات ، بتحليل اشتقاقها وأصولها ودلالتها ، وما تعكسه من حياة قديمة كانت لها طبيعة اجتماعية مختلفة عن حياتنا المعاصرة ، وما توفره لنا أيضا من معلومات عن احتكاك ثقافتنا في مصر في القرون السابقة بثقافات أخرى مما انعكس فيما استقته لغة المصريين واقترضته على مدى العصور من ألفاظ وتعابير من لغات أخرى ، منها مثلا التركية والفارسية والإنجليزية والفرنسية واليونانية والإيطالية ، إلخ ، علاوة على ما جرى تحريفه أو تغيير معناه من كلمات اللغة العربية نفسها ، أو مما بقي في لغتنا حتى الآن من اللغة المصرية القديمة أو القبطية ، وهكذا.
ونورد في بحوثنا هذه – التي تعمدنا فيها أن تخرج بأسلوب مبسط لتقريب هذه المعلومات اللغوية للناس وتبسيطها لكل فئاتهم ، وتحبيبهم في علوم اللغة وحثهم على الوعي بها ، شواهد على استعمالها ، سواء في بعض الكتابات أو المأثورات اللفظية أو الأعمال الفنية والفولكلورية.
ويدل ذلك كله ، ليس فقط على أن اللغة – أي لغة – هي كائن حي ، كما يفهم معظم الناس الآن ، ولكن أيضا على أن كل لفظ من ألفاظ اللغة هو في ذاته "كائن حي" كذلك ، قد ينمو ويزدهر ويعيش أزمانا ممتدة وقرونا متطاولة في عافية ورونق ، مبدلا ثيابه وهيئته أحيانا ، وقد يصيبه الضعف والوهن والهزال أحيانا اخرى ، وقد ينطوي وينزوي بعيدا عن ألسنة الناس وأقلامهم ، بل وقد يندثر ويموت تماما ولا يبقى له مثل أي ميت من الكائنات إلا أن يدفن باعتبار أن "إكرام الميت دفنه" ! ولكنه يبقى دائما أفضل حظا من البشر حينما يموتون ويدفنون في المقابر وتبلى عظامهم ، فالكلمات المندثرة عندما تموت تدفن في بطون المعاجم التاريخية وبين صفحات المصادر العلمية وكتب البحوث اللغوية ، فكأنها إذ تموت على ألسنة الناس تعود وتحيا بين الباحثين والعلماء !
وليس في مصر للأسف ، بل ولا في العالم العربي كله ، اهتمام لائق بهذا الفرع من الدراسات اللغوية يماثل نظيره على نفس المستوى في لغات الغرب المتقدم ، ففيما عدا كتابات المتخصصين من باحثي اللغة وعلمائها والمجمعيين وبعض الأدباء وهواة اللغة ، وهي قليلة ، لا نجد وعيا كافيا ولا اعتناء وافيا بهذا المجال ، ولا حتى من جانب المجلات الأدبية والثقافية ، بل نجد العكس تماما وهو أن كثيرا من البرامج التي تتعرض لهذه الكلمات من باب التفكهة والتسلية ليس إلا ، تتورط في معلومات خاطئة ومضللة تسوقها للجمهور ، لأن أغلب القائمين على تلك البرامج والمعدين لها ليست لديهم أصلا هذه الثقافة وكثيرا ما يستقون مادة برامجهم من الشائع والمستقر حتى ولو كان على غير أساس علمي ، وكثيرا ما يبدأ شخص ما سرد معلومة غير صحيحة في صحيفة أو برنامج حتى يسير وراءه الباقون في سياق ما يعرف في الفلسفة ب"غريزة القطيع" أو Instinct of the Herd وهي آفة مدمرة من آفات المناهج غير العلمية.
وهذه الطائفة من الكلمات – أي المنتمية إلى العامية التاريخية ، والتي إذا شئنا ذكر نموذجين اثنين فحسب من باحثيها الكبار عندنا وفي الغرب ، لم نتردد في ذكر الأستاذ الدكتور البدراوي زهران عندنا والعلامة البروفيسور إيريك بارتردج Eric Partridge في اللغة الإنجليزية - أنها لم تعد تستخدم في اللغة المحكية المعاصرة إلا في سياقات بعينها سوف نذكرها في حينها ، وأنها باستثناء أصحاب الأعمار الكبيرة من آباء وأجداد ، أو الباحثين اللغويين المتخصصين ، لا تستعملها الأجيال الشابة والصغيرة مطلقا بل لا تكاد تفهمها ، إلا إذا صادفتها في مشاهدتها لمسرحيات مسجلة أو أفلام قديمة عبر التليفزيون وعندئذ تبادر في جو من الفضول المصحوب بالسخرية والدهشة بالاستفهام عن معناها من الكبار وبالذات الأجداد ، متسائلة ضاحكة : ما معنى هذه الكلمة الغريبة يا جدي ، أو يا جدتي ؟!
وشاء حظ هذه الكلمة التي معنا اليوم أن تكون هي التي نبدأ بها نشر هذه البحوث في هذا الموقع الأغر ، وإن كانت قد سبقت لنا دراسات عن عشرات من الكلمات الأخرى سوف نضعها في خطة النشر تباعا.
وسوف يكون منهجنا دائما أن نورد أولا الاقتباس أو الاستشهاد الذي اخترناه من المصادر المختلفة – المسموعة والمقروءة – وترد فيه وفي أمثاله هذه الكلمة ، وهو ما يطلق عليه علميا "الشاهد" – وجمعه "شواهد" – أو Citations ، سواء كان كتابة قديمة أغنية أو جزءا من حوار عمل فني أو عبارة يستعملها شخص مسن ، إلخ ، حتى نضع أنفسنا موضع القاريء أو السامع للكلمة وهو يندهش منها ويتساءل عن معناها ، ويفيد الشاهد كذلك في تحديد السياق الذي تأتي فيه الكلمة ، ثم نشرع بعد ذلك مباشرة في شرح المعنى وبحث الأصل والاشتقاق وكل ما يعن لنا من تعليقات وملاحظات عن الكلمة بعد الرجوع لكل المصادر الممكنة.
وسوف نسعى دائما إلى ألا يقتصر حديثنا على مجرد شرح معاني هذه الألفاظ وبيان اشتقاقها الاصلي وسياق دخولها إلى اللهجة المصرية ، بل يشمل أيضا في ثنايا المناقشة طرح كثير من القوانين والظواهر التي يرصدها الباحثون وراء الاستعمال اللغوي عموما ، ووراء التطور الدلالي أوالصوتي خصوصا ، وكذلك ما يفسر السلوك اللغوي بوجه عام ، مما يندرج أيضا في مجال بحث علم اللغة الاجتماعي Socio-Linguistics.
ونحن نرجو أن يتاح لنا – من وقت لآخر - استكمال هذه السلسلة من البحوث التطبيقية في مجال أصول الكلمات Etymology – وهو المجال الأثير لدى كاتب هذه السطور - وإعادة نشرها على نطاق واسع بحيث تكون مصدر فائدة وإمتاع للقراء وهواة اللغة والأدب والتاريخ عموما ، وللباحثين في علوم اللغة خصوصا.
( 1 ) أنشته أو أنشطه :
- لا يحلو لها الحديث إلا مع أنشته.
- وأنشته في تلك الأثناء يزداد إعزازا لها ، والتفاتا إليها. ويعاملها كما لو كانت أختا لزوجه أو بنتا له.
- وعاد أنشته آخر الأمر ليجد الفتاة التي طالما آنست روحه ، وخففت وحدته وسرت الكآبة عن بيته ، توشك أن تتقدم بكل هذه النعم إلى غيره ، فقال هنيئا للفتى وهنأ ألطاف من كل قلبه.
(المصدر : كتاب "عبرات وبسمات" تأليف محمود إبراهيم الدسوقي ، القاهرة ، 1945)
هذه الكلمة – وإن كان نطقها المسموع يجعلها أقرب إلى أن تنطق بالطاء "أنشطه" لا بالتاء - نموذج جيد جدا لتلك الطائفة من ألفاظ العامية التاريخية في مصر ، مما ظل مستعملا في المجتمع المصري ومفهوما ومتداولا حتى عقود قريبة ، قبل أن يبدأ في الاندثار تماما وينزوي من رحاب اللغة العامة المستخدمة إلى بطون الكتب القديمة وصفحات معاجم العامية وبحوثها.
ولئن كانت ثمة كلمات أخر قيد الاستعمال مع كلمة (أنشته) في السياق نفسه ، سياق أشكال الخطاب Forms of Address أي الكلمات التي ينادى بها أقرباء معينون داخل الأسرة ، فإنها الوحيدة تقريبا التي ضعف استعمالها شيئا فشيئا إلى أن اندثرت تماما تقريبا فلا يكاد يعرفها أو يفهمها أحد من الأجيال الشابة ممن هم اليوم في الثلاثين أو دون ذلك ، مع أنهم لا يزالون يفهمون كلمات أخرى من قريبات هذه اللفظة – إذا صح التعبير – بل وربما يستعملون بعضها أيضا ، مثل (أبيه) للأخ الأكبر ومن في حكمه ، ومثل (أبله) للأخت الكبرى ومن في حكمها ، وبالذات للمعلمة ، و(نينه) للجدة ، بل ويفهمون حتى لفظة مندثرة تماما مثل (تيزه) التي كانت كذلك تنادى بها الجدة أو من في حكمها حتى ولو لم يستعملوها ، وجميع تلك الكلمات بالمناسبة : أبيه – أبله – نينه – تيزه ، هي من أصل تركي مثل (أنشته) ! وهذا يعكس قدر تأثر المصريين بالأتراك ولغتهم على مدى نحو خمسة قرون – أي لقرن آخر إضافي بعد انتهاء الحكم العثماني لمصر - حتى في لغة الكلام داخل الأسرة وعلى المستوى الاجتماعي.
وفي الشاهد الذي اخترناه ، أو بالأحرى مجموع الشواهد من مصدر واحد ، وهو قصة قصيرة بعنوان (ألطاف) ، ضمن مجموعة من القصص والفصول الأدبية المؤلفة والمترجمة بقلم الأستاذ محمود إبراهيم الدسوقي ، أحد أدباء النصف الأول من القرن العشرين ، بعنوان (عبرات وبسمات – على وجه الإنسانية) والصادرة عام 1945 ، نجد أن (ألطاف) هذه هي "ابنة عم زوجة" بطل القصة ، وبالتالي فهو بالنسبة لها "زوج ابنة عمها". وسوف نرى من تحليل معنى الكلمة وأصلها واستعمالاتها في العامية المصرية حتى بضعة عقود خلت أن دائرة استعمالها كانت إذن تتسع لتشمل من هو في حكم "أنشته" ، وليس بالضرورة من تنطبق عليه الكلمة مباشرة ! ونلاحظ أن المؤلف وهو يستعمل الكلمة سنة 1945 لا يجد نفسه مضطرا لشرحها أو لوضعها بين أقواس مثلما نفعل نحن الآن في سنة 2012 ، مما يدل دلالة واضحة على أنه حتى ذلك الحين ، بل وبعده أيضا بنحو عشر سنين أو عشرين سنة ، كانت الكلمة لا تزال قيد الاستعمال ولم تندثر بعد ، وأن الاندثار يمكن رصده بدأ من أواخر الستينيات من القرن العشرين.
وحتى يتضح للقراء ، ولاسيما إخواننا العرب من غير المصريين ، أن كلمات مخاطبة الأقارب تطورت في المجتمع المصري ، بحيث اندثرت أو كادت معظم الكلمات ذات الأصل التركي وحل محلها كلمات من أصل إنجليزي أو فرنسي ، بحكم نعرة الثقافة الأوروبية ، نورد فيما يلي مقطعا صغيرا لقصة حديثة جدا كتبتها الأديبة المصرية المعروفة سناء البيسي في الأهرام بتاريخ 12 مارس 2011 ، بعنوان "دادي حرامي" وسيجد فيها القاريء كما من هذه الألفاظ ذات الأصل الاوروبي ، منها "دادي" و"مامي" و"طانت" ، باستثناء كلمة "دادة" فقط وهي من أصل تركي أيضا :
"سحبتني الدادة السيريلانكية عنوة من ذراعي النحيل لتصعد بي الدرجات الرخامية لتزج بي غصبا عني داخل غرفتي وتغلق الباب بالمفتاح في الدور العلوي من قصرنا الجديد بعدما تفهمت إشارة طانت ريري لها بأخذي بعيدا عما يدور من أحداث المشهد الدرامي الذي كنت قد تابعت أولياته في الصالون الكبير وقت أن كان الجميع في هرج ومرج منشغلين عني بما يبديه دادي من توسلات للضباط – الذين حضروا مع الصباح لأخذه معهم – كي يمنحوه لحظات يغير فيها هدومه ويضع في قدميه الحذاء ، وكان ساعتها لم يزل يرتدي الروب دي شامبر فوق البيجاما مع المنتوفلي .. وعندما مزقت أذني صرخة مامي ونشيج جدتي المرتفع وتأوهات طانت ريري شعرت بذروة المأساة... إلخ"
نعود لكلمة (أنشته) ، ونلاحظ عند مراجعة المصادر ذات الصلة أنه في حين يغفلها تماما سقراط اسبيرو في معجمه الرائد في مجاله وهو (قاموس اللهجة العامية المصرية) الصادر في القاهرة سنة 1895 ، وكذلك سقطت من حسابات العلامة أحمد تيمور في (معجمه الكبير) ، والدكتور أحمد عيسى في تحفته الرائدة (المحكم في أصول الكلمات العامية) ، وفاتت على الأستاذ الدكتور أحمد فؤاد متولي في مؤلفه القيم الممتاز (الألفاظ التركية في اللهجات العربية وفي لغة الكتابة) ، فإن (معجم اللغة العربية المصرية) لمؤلفيه الدكتور السعيد بدوي الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة والمستعرب مارتن هايندس البروفيسور بجامعة كمبردج ، والصادر بالقاهرة 1986 ، وهو الأكثر انضباطا من الناحية العلمية حتى الآن على الإطلاق ، يوردها في حرف الألف ويصنفها بأنها Obsolete أي "مندثرة" ، ويعرفها بما ترجمته : أنشته : كلمة لمخاطبة – أو للإشارة إلى – زوج الأخت ، ويضيف بين قوسين أن الكلمة (تستخدمها النساء). ويرصد الكلمة كذلك (معجم فرج للعامية المصرية) تأليف المهندس سامح فرج ، الصادر بالقاهرة 2006 ، ويضيف أنها لم تسمع منذ منتصف العقد الخامس من القرن العشرين. و(معجم فرج) بالمناسبة من أفضل معاجم العامية المصرية الصادرة في العقود الأخيرة. ويلفت نظرنا أن كثيرا من مؤلفي أمثال هذه المعاجم ليسوا بالضرورة من المتخصصين في العلوم اللغوية ، وإن كان يجمع بينهم جميعا الاهتمام بهذا المجال والقراءة العميقة في مصادره والرصد الدؤوب للهجة العامية وظواهرها وشواهدها.
ولكن القاموس التركي الإنجليزي A Turkish – English Dictionary من تأليف العلامة هوني H. C. Hony - وهو من أفضل المعاجم على الإطلاق في مجاله والصادر عن (أوكسفورد) سنة 1956 ، يضفي نوعا من الدقة إلى التعريف ، فينص على أن كلمة (أنشته) – وبالتركية الحديث Eniste - لا تعني فقط زوج الأخت ، ولكن أيضا زوج العمة أو الخالة. وهو لا يقصرها على أنها (أداة للمخاطبة) ، ولكن يجعلها كلمة تعريف أيضا ، بمعنى أن الناس كانوا يقولون مثلا "أنشته جاء أو ذهب أو فعل كذا" – أي زوج أختي أو زوج خالتي أو عمتي – وليس فقط عندما يخاطبونه "يا أنشته ".
كما أن المعجم التركي لا يضع ذلك القيد المتمثل في أن الكلمة تستعملها النساء فحسب ، وإن كنا نخمن أنه سكت عن ذلك من باب الاختصار فقط ، لأن الذي لاحظناه – إذا اعتبرنا أنفسنا "مصادر حية" Informants لرصد اللغة العامية المصرية المعاصرة ، لا مجرد باحثين يدرسونها من الخارج دون أية صلة مباشرة بها كما هو الشأن مع المستعربين – هو أن هذه الكلمة بالذات لم نسمعها تقريبا ، حينما كنا نسمعها أحيانا في صبانا ، إلا من نساء ، فلا يذكر أحد أن رجلا أو صبيا أو شابا كان يتحدث عن زوج أخته أو زوج عمته أو خالته أو يناديه بلفظ (أنشته) ، اللهم إلا إذا وضعنا فرضية محتملة مهما كانت ضعيفة هي أنها اكتسبت هذا القيد في الاستعمال في البيئة المصرية فقط دون أن يكون لصيقا بالكلمة ذاتها في التركية ، وهو أمر إن صح يفتقد الدليل عليه.
وإذا لم يصح ، فقد دخلت الكلمة بسياقها الأصلي في الاستخدام بأن اقتصر استعمالها – في الأغلب الأعم – على فتيات أو نساء دون الرجال ، وهو أمر مشاهد ومسموع وملحوظ رصدته دراسات لغوية كثيرة في الغرب ، وقليلة عندنا ، منها دراسة لي في جزأين كتبتهما بأسلوب تبسيط العلوم اللغوية ، وجعلت عنوان جزئه الأول : "عزيزتي حواء أنت تتكلمين لغة أخرى" ، وعنوان جزئه الثاني : "سر العداء بين اللغة والنساء". وخلاصة الأمر أن ثمة فروقا أسلوبية رصدها الباحثون بين بعض ما تتسم به لغة النساء وبعض ما يختص به أسلوب الرجال في الكلام ، والموضوع لا علاقة له بأي عنصرية ، ولكن بطبيعة كل جنس سيكولوجيا وسوسيولوجيا ، أي من الناحيتين النفسية والاجتماعية ، ولا يشمل كل مجالات اللغة بالطبع وإلا لما فهم الرجال عن النساء ولا النساء عن الرجال شيئا ، ولكن في نواح معينة.
وعلى كل حال ، فالكلمة إذن دخلت العامية المصرية المستعملة ، منذ قرون أثناء خضوع مصر للحكم العثماني ، سواء مباشرة كما في العهود الأولى منذ القرن السادس عشر الميلادي ، وتحديدا 1517 ، أو بعد ذلك بطريقة غير مباشرة عندما كانت السلطة موزعة بين الباشا العثماني والأمراء المماليك ، ثم حتى في القرن التاسع عشر تحت حكم الأسرة العلوية التي استقلت فعليا عن الحكم العثماني إلا اسميا فحسب ، لأن لغة الإدارة في عمومها ولغة هؤلاء جميعا كانت التركية العثمانية ، فكان أن تسرب منها الشيء الكثير إلى لغة المصريين بصفة عامة ، فتأثرت لهجتهم كأمر طبيعي وبحكم المخالطة اليومية بعدد لا بأس به من الألفاظ التركية ، وكانت مما دخل إلى المجال الاجتماعي ، بينما دخلت ألفاظ أخرى إلى مجالات أخرى ، مثل المجال العسكري أو السياسي أو الصناعي أو الثقافي أو الإداري أو الاقتصادي والتجاري ، وهكذا.
ثم انتقلت الكلمة بعد ذلك ، ومؤخرا فقط أي في حدود الأربعين أو الخمسين سنة الأخيرة ، من (الاستعمال الحي) Current Usage إلى (العامية التاريخية لمصر) Historical Slang of Egypt.
وكما يحدث مع كل ألفاظ العامية التاريخية تقريبا ، لا يكتب للكلمة المندثرة أي بقاء في اللغة المحكية الشائعة والمستخدمة ، اللهم إلا في السياق العلمي (كما في دراستنا هذه ودراسات اللغة) ، أو في السياق التاريخي (كأن تأتي في سياق كتابة قديمة أو مأثور شفهي ينتمي إلى العصر الذي كانت تستعمل فيه كما في القصة التي أوردنا شواهد منها والمكتوبة سنة 1945) ، أو في سياق معاصر ضاحك أو فكاهي (مثل استخدامها الآن بصورة ساخرة لغرض إثارة الضحك ، كما يفعل الساخرون – سواء في الأعمال الفنية والدرامية أو في لغة الدردشة Colloquial وهم يستعملون – الآن – كلمات وعبارات مثل "الفرنجة" و "ثكلتك أمك!" و"يا قوم !" في إطار يستدعي الضحك فقط لعنصر المفاجأة في الخروج غير المتوقع من لغة معاصرة إلى لغة قديمة). وهذا يحدث مع كل اللغات المعاصرة لا مع العربية المعاصرة فقط ، ففي الإنجليزية مثلا يصفون مثل ذلك الاستعمال المعاصر لكلمة مندثرة Obsolete أو ِArchaic بأنه استعمال فكاهي Humorous.
من المهم أيضا ، ونحن نختتم حديثنا هذا في تحليل كلمة (أنشته) ، أن نعرف أن هناك ما يشير إلى أن الكلمة باقية في الاستعمال في التركية الحديثة بنفس المعنى ، ففي (معجم الطلاب تركي-عربي) – على سبيل المثال من تأليف توني حيدر وروبي حيدر ، والصادر عن دار الكتب العلمية ببيروت سنة 2004 ، ويورد ألفاظ "التركية المعاصرة" ، نجد أن الكلمة موجودة وإن كان المعنى أكثر اتساعا وهو (صهر) أو (نسيب) !
ولهذه البحوث تكملة وحلقات أخرى إن شاء الله ، نعرض فيها بالبحث والمناقشة والتحليل لكلمات أخرى كثيرة مما لم يعد ضمن قاموس حياتنا المعاصرة ، ولكنه باق فقط في "قاموس الأجداد".
رحم الله الأجداد ، وعاشت لغتنا العربية العريقة ولهجتنا المصرية الجميلة..
واسلمي يا مصر